مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح 

"المونوريل" ..عنوان لعصر جديد 

 

مع دخول المونوريل المصري إلى الخدمة، تقف الدولة أمام إنجاز حضاري جديد يضاف إلى سلسلة مشروعات البنية التحتية العملاقة التي تستهدف إعادة تشكيل وجه الحياة اليومية للمواطن، ليس فقط عبر وسيلة نقل حديثة، بل من خلال رؤية متكاملة لبناء جمهورية جديدة تضع الإنسان في قلب التنمية. وبينما تحتفي قطاعات واسعة بهذا المشروع بوصفه نقلة نوعية في عالم النقل الجماعي، يخرج بعض المغرضين والمشككين كعادتهم، لا لينظروا إلى حجم الإنجاز أو مردوده الحضاري، بل ليبحثوا عن ثغرة في الوردة الجميلة، فيرددون المقولة القديمة: “لم يجدوا في الورد عيبًا فقالوا له يا أحمر الخدين”، مركزين فقط على أسعار التذاكر، وكأنهم يتعمدون تجاهل الصورة الكاملة.
المونوريل ليس مجرد قطار كهربائي يسير فوق قضبان معلقة، بل هو عنوان لعصر جديد من وسائل النقل الذكية التي تختصر الزمن، وتقلل التكدس المروري، وتخفض معدلات التلوث، وتربط المدن الجديدة بالقاهرة الكبرى بكفاءة وسرعة وأمان. نحن نتحدث عن وسيلة نقل متطورة تضاهي ما هو موجود في كبريات عواصم العالم، وتوفر للمواطن المصري خدمة راقية طال انتظارها، خاصة مع التوسع العمراني الكبير الذي تشهده البلاد في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة السادس من أكتوبر وغيرهما.
أما الحديث عن الأسعار، فهو في كثير من الأحيان يُطرح خارج سياقه الحقيقي. فالمقارنة العادلة لا تكون بين المونوريل ووسائل نقل تقليدية بطيئة أو مزدحمة، بل بين الخدمة المقدمة والتكلفة الفعلية لإنشائها وتشغيلها وصيانتها. هذه المشروعات العملاقة تُقام بمليارات الجنيهات، وتعتمد على تكنولوجيا متقدمة، وتحتاج إلى استدامة مالية تضمن استمرارها بالكفاءة المطلوبة. ومن ثم فإن تسعير الخدمة يجب أن يحقق معادلة دقيقة بين مراعاة المواطن والحفاظ على المشروع.
الحقيقة أن تقييم سعر أي وسيلة نقل ينبغي أن يرتبط بما توفره من وقت وجهد وأمان. فإذا كان المواطن سيوفر ساعات من الزحام يوميًا، ويصل إلى عمله أو وجهته بسرعة وانتظام، فإن هذا الوفر في الوقت والإنتاجية يمثل قيمة اقتصادية حقيقية. الوقت في عالم اليوم لم يعد رفاهية، بل أصبح أحد أهم عناصر التنمية. وبالتالي فإن السؤال المنطقي ليس فقط: “كم سعر التذكرة؟”، بل أيضًا: “كم أوفر من وقتي وجهدي وأعصابي؟”.
ثم إن الدولة المصرية، التي لم تتوقف عن دعم المواطن في قطاعات عديدة، تدرك جيدًا أهمية البعد الاجتماعي، ومن ثم فإن سياسات التسعير غالبًا ما توازن بين الكلفة والقدرة الشرائية، مع احتمالات وجود اشتراكات أو فئات مخفضة تخدم قطاعات واسعة مثل الطلاب والموظفين. لكن البعض يفضل دائمًا اجتزاء المشهد، وتضخيم أي نقطة خلافية، وتحويلها إلى مادة للتشكيك والإحباط.
المؤسف أن هناك من اعتادوا النظر إلى أي نجاح بعين الريبة، وكأن المطلوب أن نظل أسرى وسائل متهالكة، وزحام خانق، وخدمات متراجعة، فقط حتى لا ندفع ثمن التطوير. هؤلاء لا يرون في المشروعات القومية سوى فرصة لبث السلبية، رغم أن العالم كله يقيس تقدم الدول بقدرتها على تحديث بنيتها الأساسية، خاصة في النقل والطاقة والتعليم.
المونوريل ليس رفاهية، بل ضرورة فرضتها طبيعة المرحلة، وحجم التوسع العمراني، والبحث عن حلول عصرية لمشكلات مزمنة. ومن الإنصاف أن نحكم عليه بعد تشغيله الكامل، ومعرفة حجم الاستفادة الحقيقية منه، لا أن نصدر الأحكام المسبقة بناءً على حملات تشكيك معتادة.
لقد عانت مصر طويلًا من ثقافة الهدم المعنوي لكل مشروع جديد، لكن الوعي الشعبي بات أكثر قدرة على التمييز بين النقد الموضوعي ومحاولات التشويه. نعم، من حق المواطن أن يسأل عن الأسعار، وأن يطالب بالتوازن، لكن ليس من المنطق أن نختزل مشروعًا بحجم المونوريل في ثمن تذكرة فقط.
في النهاية، سيظل المونوريل شاهدًا على أن مصر تتحرك إلى الأمام، رغم الضجيج، وأن من لا يجد في الإنجاز عيبًا، قد يكتفي فعلًا بالقول: “يا أحمر الخدين”.